حسن بن موسى القادري

339

شرح حكم الشيخ الأكبر

--> - بالأغيار ، وقطع عن قلبه شوارق الأنوار ، فيأتي المنصور بالأمر على وجهه ، والمخذول بالشيء على عكسه . قال الشيخ زروق رضي اللّه عنه : وأمداد الأنوار ثلاثة : أولها : يقين لا يخالطه شك ولا ريب . الثاني : علم تصحبه بصيرة وبيان . الثالث : إلهام يجري بعد العيان . وأمداد الظلم ثلاثة : أولها : ضعف اليقين . الثاني : غلبة الجهل على النفس . الثالث : الشفقة على النفس ، وذلك كله أصله الرضا عن النفس وعدمه ، ومظهره الثلاث المرتبة عليه وهي المعاصي والشهوات والغفلات وأضدادها المتقدمة في الباب الثالث فافهم انتهى . ولما كان النور هو جند القلب ، لأنه يكشف عن حقائق الأشياء ، فيتميز الحق من الباطل ، فيحق الحق ويبطل الباطل ، فينتصر القلب بإقباله على الحق على بينة واضحة وتنهزم النفس بانهزام جند ظلماتها ، إذ لا بقاء للظلمة مع وضوح النور ، كما أشار إلى ذلك بقوله : [ النور له الكشف والبصيرة لها الحكم ، والقلب له الإقبال والإدبار ] . قلت : النور من حيث هو من شأنه أن يكشف الأمور ويوضحها حتى حسنها من قبيحها ، ومن شأن البصيرة المفتوحة أن تحكم على الحسن بحسنه وعلى القبيح بقبحه ، والقلب يقبل على ما يثبت حسنه ، ويدبر عن ما يثبت قبحه ، أو تقول : يقبل على ما فيه نفعه ويدبر عما فيه ضرره ، ومثال ذلك : رجل دخل بيتا مظلما فيه عقارب وحيات ، وفيه سبائك ذهب وفضة ، فلا يدري ما يأخذ ولا ما يذر ، ولا ما فيه نفع ولا ضرر ، فإذا أدخل فيه مصباحا رأى ما ينفعه وما يضره وما يأمنه وما يحذره ، كذلك قلب المؤمن العاصي لا يفرّق بين مرارة المعصية وحلاوة الطاعة ، فإذا استضاء بنور التقوى عرف ما يضره وما ينفعه ، وفرق بين الحق والباطل . قال تعالى : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً [ الأنفال : 29 ] ، أي نورا يفرق بين الحق والباطل ، وقال تعالى : أَ وَمَنْ كانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْناهُ وَجَعَلْنا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ [ الأنعام : 122 ] ، وقال تعالى : أَ فَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ [ الزمر : 22 ] ، وهذا النور الذي يكشف الأمور هو نور الواردات المتقدمة الذي هو مطايا القلوب إلى علام الغيوب . أولها نور وارد الانتباه : ومن شأنه أن يكشف ظلمة الغفلة ، ويظهر نور اليقظة فتحكم البصيرة بقبح الغفلة وحسن اليقظة ، فيقبل القلب حينئذ على ذكر ربه ويدبر عما يغفله عن ربه ، وهذا هو نور الطالبين . -